أحمد بن محمد القسطلاني
414
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه ، إلا حط الله عنه به خطاياه ، كما تحط الشجرة اليابسة ورقها . وفيهما : ما من مصيبة تصيب المسلم من نصب ولا وصب ، ولا هم ولا حزن ، ولا أذى ولا غم ، حتى الشوكة ، إلا كفر الله عز وجل بها خطاياه . فالغم على المستقبل ، والحزن على الماضي ، والنصب والوصب المرض . وفيه : حلفه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تقوية لإيمان الضعيف ، ومسمى مسلم وإن قل ولو مذنبًا ، ومسمى أذى وإن قل ، وذكر خطاياه ولم يقل : منها . طفح الكرم حتى . . . غفر بمجرد ألم ولو لم يكن للمبتلى . . . في الصبر قدم 44 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ » وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ » ( باب قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لابنه إبراهيم ( إنّا بك لمحزونون وقال ابن عمر ) بضم العين ( رضي الله عنهما ، عن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تدمع العين ويحزن القلب ) وهذه الجملة كلها من باب إلى آخر قوله : ويحزن القلب ساقطة عند الحموي وثابتة لغيره . 1303 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ هُوَ ابْنُ حَيَّانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ : " دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ - وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ . ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ - وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ - فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَذْرِفَانِ . فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنه - : وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ . ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ " . رَوَاهُ مُوسَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وبالسند قال : ( حدّثنا ) بالجمع ، ولأبي ذر : حدَّثني ( الحسن بن عبد العزيز ) الجروي بفتح الجيم والراء نسبة إلى جروة ، بفتح الجيم وسكون الراء ، قرية من قرى تنيس ، قال : ( حدّثنا يحيى بن حسان ) التنيسي ، قال : ( حدّثنا قريش ) بضم القاف وبالشين المعجمة ( هو ابن حيان ) بفتح الحاء المهملة والمثناة التحتية ، العجلي ، بكسر العين ، البصري ( عن ثابت ) البناني ( عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ) : ( دخلنا مع رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، على أبي سيف القين ) بفتح السين ، والقين بالقاف وسكون التحتية آخره نون ، صفة له ، أي : الحداد ، واسمه : البراء بن أوس الأنصاري ( وكان ظئرًا ) بكسر الظاء المعجمة وسكون الهمزة ، أي : زوج المرضعة ( لإبراهيم ) ابن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بلبنه ، والمرضعة زوجته : أم سيف ، هي : أم بردة ، واسمها : خولة بنت المنذر الأنصارية النجارية ، ( فأخذ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إبراهيم ، فقبله ، وشمه ) . فيه مشروعية تقبيل الولد وشمه ، وليس فيه دليل على فعل ذلك بالميت ، لأن هذه إنما وقعت قبل موت إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام . نعم ، روى أبو داود وغيره : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قبل عثمان بن مظعون بعد موته ، وصححه الترمذي وروى البخاري : أن أبا بكر ، رضي الله عنه ، قبل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد موته ، فلأصدقائه وأقاربه تقبيله . ( ثم دخلنا عليه ) أي على : أبي سيف ( بعد ذلك ، وإبراهيم بجود بنفسه ) يخرجها ويدفعها ، كما يدفع الإنسان ماله : يجود به ( فجعلت عينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تذرفان ) بالذال المعجمة وكسر الراء وبالفاء أي : يجري دمعهما ( فقال له ) أي : للنبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه وأنت ) بواو العطف على محذوف تقديره : الناس لا يصبرون عند المصائب ، ويتفجعون وأنت ( يا رسول الله ) تفعل كفعلهم مع حثك على الصبر ، ونهيك عن الجزع ، فأجابه عليه الصلاة والسلام ( فقال ) : ( يا ابن عوف إنها ) أي : الحالة التي شاهدتها مني ( رحمة ) ورقة ، وشفقة على الولد ، تنبعث عن التأمل فيما هو عليه ، وليست بجزع وقلة صبر كما توهمت ، ( ثم أتبعها ) عليه الصلاة والسلام ( بأخرى ) أي : أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى ، أو : أتبع الكلمة الأولى الجملة ، وهو قوله : إنها رحمة ، بكلمة أخرى مفصلة ، ( فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إن العين تدمع والقلب ) بالنصب والرفع ( يحزن ) لرقته من غير سخط لقضاء الله . وفيه جواز الأخبار عن الحزن وإن كان كتمه أولى ، وجواز البكاء على الميت قبل موته . نعم ، يجوز بعده لأنه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بكى على قبر بنت له ، رواه البخاري . وزار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، رواه مسلم ولكنه قبل الموت أولى بالجواز ، لأنه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات ، وبعد الموت خلاف الأولى . كذا نقله في المجموع عن الجمهور ، لكنه نقل في الأذكار عن الشافعي والأصحاب ، أنه مكروه لحديث : فإذا وجبت فلا تبكين باكية . قالوا وما الوجوب يا رسول الله ؟ قال : الموت . رواه الشافعي وغيره بأسانيد صحيحة . قال السبكي وينبغي أن يقال : إن كان البكاء لرقة على الميت ، وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة ،